ابن الجوزي

324

زاد المسير في علم التفسير

ثم أرسلنا موسى وأخاه هارون بآياتنا وسلطان مبين " 45 " إلى فرعون وملئه فاستكبروا وكانوا قوما عالين " 46 " فقالوا أنؤمن لبشرين مثلنا وقومهما لنا عابدون " 47 " فكذبوهما فكانوا من المهلكين " 48 " قوله تعالى : * ( فاستكبروا ) * أي : عن الإيمان بالله وعبادته * ( وكانوا قوما عالين ) * أي : قاهرين للناس بالبغي والتطاول عليهم . قوله تعالى : * ( وقومهما لنا عابدون ) * أي : مطيعون . قال أبو عبيدة : كل من دان لملك فهو عابد له . ولقد آتينا موسى الكتاب لعلهم يهتدون " 49 " وجعلنا ابن مريم وأمه آية وآويناهما إلى ربوة ذات قرار ومعين " 50 " قوله تعالى : * ( ولقد آتينا موسى الكتاب ) * يعني : التوراة ، أعطيها جملة واحدة بعد غرق فرعون * ( لعلهم ) * يعني : بني إسرائيل ، والمعنى : لكي يهتدوا . قوله تعالى : * ( وجعلنا ابن مريم وأمه آية ) * وقرأ ابن مسعود ، وابن أبي عبلة : " آيتين " على التثنية ، وهذا كقوله : * ( وجعلناها وابنها آية ) * وقد سبق شرحه . قوله تعالى : * ( وآويناهما ) * أي : جعلناهما يأويان * ( إلى ربوة ) * قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وحمزة ، والكسائي : " ربوة " بضم الراء ، وقرأ عاصم ، وابن عامر : بفتحها . وقد شرحنا معنى الربوة في البقرة ، * ( ذات قرار ) * أي : مستوية يستقر عليها ساكنوها ، والمعنى : ذات موضع قرار . وقال الزجاج : أي : ذات مستقر * ( ومعين ) * وهو الماء الجاري من العيون . وقال ابن قتيبة : " ذات قرار " أي : يستقر بها للعمارة " ومعين " هو الماء الظاهر ، ويقال : هو مفعول من العين ، كأن أصله معيون ، كما يقال : ثوب مخيط ، وبر مكيل . واختلف المفسرون في موضع هذه الربوة الموصوفة على أربعة أقوال : أحدها : أنها دمشق ، رواه عكرمة عن ابن عباس ، وبه قال عبد الله بن سلام ، وسعيد بن المسيب .